فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.
قال الفرّاء {مدين} اسم بلد وقطر وأنشد:
رهبان مدين لو زأوك تنزلوا

فعلى هذا التقدير وإلى أهل مدين، وقيل: اسم قبيلة سميت باسم أبيها مدين بن إبراهيم قاله مقاتل وأبو سليمان الدمشقي، وشعيب قيل: هو ابن بنت لوط، وقيل زوج بنته وهذه مناسبة بين قصته وقصة لوط وشعيب اسم عربي تصغير شعب أو شعب والجمهور على أنّ مدين أعجمي فإن كان عربيًا احتمل أن يكون فعيلًا من مدين بالمكان أقام به وهو بناء نادر، وقيل: مهمل أو مفعلًا من دان فتصحيحه شاذ كمريم ومكورة ومطيبة وهو ممنوع الصّرف على كل حال سواء كان اسم أرض أو اسم قبيلة أعجميًا أم عربيًا واختلفوا في نسب شعيب، فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: هو شعيب بن ميكيل بن سجن بن مدين بن إبراهيم واسمه بالسّريانية بيروت، وقال الشرقي بن القطامي: شعيب بن عنقاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم، وقال أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي الطلحيّ الأصبهاني في كتاب الإيضاح في التفسير من تأليفه: هو شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم، وقيل: شعيب بن جذي بن سجن بن اللام بن يعقوب، وكذا قال ابن سمعان إلا أنه جعل مكان اللام لاوي ولا يعرف في أولاد يعقوب اللام فلعله تصحيف من لاوي، وقيل: شعيب بن صفوان بن عنقاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم، وقال الشريف النسابة الجوّاني: وهو المنتهى إليه في هذا العلم هو شعيب بن حبيش بن وائل بن مالك بن حرام بن جذام واسمه عامر أخو نجم وهما ولدا الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر هود عليه السلام فبينه وبين هود في هذا النسب الأخير ثمانية عشر أبًا وبينهما في بعض النسب المذكور سبعة آباء لأنه ذكر فيه أنه شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم وإبراهيم هو ابن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أزغو بن فالغ بن عابر وهو هود عليه السلام وكان يقال لشعيب: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، قال قتادة: أرسل مرتين مرّة إلى مدين ومرة إلى أصحاب الأيكة وتعلّق إلى مدين وانتصب {أخاهم} بأرسلنا وهذا يقوي قول من نصب لوطًا بأرسلنا وجعله معطوفًا على الأنبياء قبله.
{قد جاءتكم بينة من ربّكم} قرأ الحسن آية من ربكم وهذا دليل على أنه جاء بالمعجزة إذ كان نبيّ لابد له من معجزة تدلّ على صدقه لكنه لم يعين هنا ما المعجزة ولا من أي نوع هي كما أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة جدًّا لم تعين في القرآن وقال قوم: كان شعيب نبيًّا ولم تكن له بينة والبينة هنا الموعظة وأنكر الزجاج هذا القول وقال: لا تقبل نبوة بغير معجزة ومن معجزاته أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك العصا صارت تنينًا، وقال الزمخشري: ومن معجزات شعيب ما روي من محاربة عصا موسى التنين حين دفع إليه غنمة وولادة الغنم الدّرع خاصة حين وعده أن يكون له الدّرع من أولادها ووقوع عصا آدم على يده في المرّات السبع وغير ذلك من الآيات لأنّ هذه كلها كانت قبل أن ينبأ موسى عليه السلام فكانت معجزات لشعيب، وقال الزجاج: وأيضًا قال لموسى عليه السلام هذه الأغنام تلد أولادًا فيها سواد وبياض وقد وهبتها لك فكان الأمر كما أخبر عنه وهذه الأحوال كلها كانت معجزة لشعيب عليه السلام لأنّ موسى عليه السلام في ذلك الوقت ما ادّعى الرسالة انتهى، وما قاله الزمخشري متّبعًا فيه الزجاج هو قول المعتزلة وذلك أن الإرهاص وهو ظهور المعجزة على يد من سيصير نبيًّا ورسولًا بعد ذلك مختلف في جوازه فالمعتزلة تقول: هو غير جائز فلذلك جعلوا هذه المعجزات لشعيب وأهل السنّة يقولون بجوازه فهي إرهاص لموسى بالنبوة قبل الوحي إليه والحجج للمذهبين مذكورة في أصول الدين.
{فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أمرهم أولًا بشيء خاص وهو إيفاء الكيل والميزان ثم نهاهم عن شيء عام وهو قوله: {أشياءهم} و{الكيل} مصدر كنى به عن الآلة التي يكال بها كقوله في هود {المكيال والميزان} فطابق قوله: {والميزان} أو هو باق على المصدرية وأريد بالميزان المصدر كالميعاد لا الآلة فتطابقا أو أخذ الميزان على حذف مضاف أي ووزن الميزان والكيل على إرادة المكيال فتطابقا والبخس تقدّم شرحه في قوله: {ولا يبخس منه شيئًا} و{أشياءهم} عام في كل شيء لهم، وقيل: أموالهم، وقال التبريزي: حقوقهم وفي إضافة الأشياء إلى الناس دليل على ملكهم إياها خلافًا للإباحيّة الزنادقة كانوا يبخسون الناس في مبايعاتهم وكانوا مكاسين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه ومنه قيل للمكس البخس وروي أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعًا ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفًا وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمان مع كفرهم الذي نالتهم الرّجفة بسببه.
{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} تقدّم تفسير هذه الجملة قريبًا في هذه السورة.
{ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} الإشارة إلى إيفاء الكيل والميزان وترك البخس والإفساد وخير أفعل التفضيل أي من التطفيف والبخس والإفساد لأنّ خيرية هذه لكم عاجلة جدًّا منقضية عن قريب منكم إذ يقطع الناس معاملتكم ويحذرونكم فإذا أوفيتم وتركتم البخس والإفساد جملت سيرتكم وحسنت الأحدوثة عنكم وقصدكم الناس بالتجارات والمكاسب فيكون ذلك أخير مما كنتم تفعلون لديمومة التجارة والأرباح بالعدل في المعاملات والتحلي بالأمانات، وقيل: {ذلكم} إشارة إلى الإيمان الذي تضمنه قوله: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وإلى ترك البخس في الكيل والميزان، وقيل: {خير} هنا ليست على بابها من التفضيل ولذلك فسّره ابن عطية بقوله أي ذاك نافع عند الله مكسب فوزه ورضوانه وظاهر قوله: {إن كنتم مؤمنين} أنهم كانوا كافرين وعلى ذلك يدل صدر الآية وآخر القصة فمعنى ذلك أنه لا يكون ذلك لكم خيرًا ونافعًا عند الله إلا بشرط الإيمان والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان، وقال الزمخشري {إن كنتم مؤمنين} إن كنتم مصدقين لي في قولي {ذلكم خير لكم}. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا}.
عطفٌ على قوله: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وما عُطف عليه، وقد روعيَ هاهنا ما في المعطوف عليه في تقديم المجرورِ على المنصوب، أي وأرسلنا إليهم وهم أولادُ مدينَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام وشعيبُ بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ، وكان يقال له: خطيبُ الأنبياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكاييل والموازين مع كفرهم {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌ على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: {فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ} مر تفسيرُه مرارًا {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ} أي معجزةٌ وقوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} متعلقٌ بجاءتْكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ، أي بينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه عليه السلام في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبي صلى الله عليه وسلم فمنها ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها، ومنها وقوعُ عصا آدمَ عليه السلام على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ موسى عليه السلام. وقيل: البينةُ مجيئُه عليه السلام كما في قوله تعالى: {قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى} أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ، عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة {فَأَوْفُواْ الكيل} أي المكيالَ كما وقع في سورة هودٍ ويؤيده قولُه تعالى: {والميزان} فإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونُه مصدرًا كالمعيار وقيل: آلةَ الكيل والوزن على الإضمار، والفاءُ لترتيب الأمرِ على مجيء البينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبةٌ للاجتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه {وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ} التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان، فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ، وقيل: كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئًا إلا مكَسوه، قال زهير:
أفي كل أسواقِ العراقِ إِتاوة ** وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ

{وَلاَ تُفْسِدُواْ في الأرض} أي بالكفر والحيف {بَعْدَ إصلاحها} بعد ما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبياءُ وأتابعُهم بإجراء الشرائعِ، أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقًا أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدّقين لي في قولي هذا. اهـ.

.قال الألوسي:

{وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا}.
عطف على ما مر.
والمراد أرسلنا إلى مدين الخ.
ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة، وقيل: هو عربي اسم لماء كانوا عليه، وقيل: اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلابد من تقدير مضاف حينئذٍ أي أهل مدين مثلًا أو المجاز.
والياء على هذا عند بعض زائدة.
وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه مفعل.
وقال آخرون: إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام.
وعند المبرد ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل.
وشعيب قيل تصغير شعب بفتح فسكون اسم جبل أو شعب بكسر فسكون الطريق في الجبل.
واختير أنه وضع مرتجلًا هكذا.
والقول بأن القول بالتصغير باطل لأن أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها فيه نظر لأن الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له ومدعي ذلك قد يدعي هذا وهو على ما وجد بخط النووي في تهذيبه ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام، وقيل: ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، وبعضهم يقول: ميكائيل بدل ميكيل، ونقل ذلك عن خط الذهبي في اختصار المستدرك.
وآخر يقول ملكاني بدله.
وذكر أن أم ميكيل بنت لوط عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة أن شعيبًا هو يثروب بالعبرانية وهو ابن عيفاء بن يوبب بمثناة تحتية أوله وواو وموحدتين بوزن جعفر بن إبراهيم عليه السلام، وقيل: في نسبه غير ذاك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا ذكر شعيب يقول: «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه» أي محاورته لهم، وكأنه كما قيل عنى عليه الصلاة والسلام ما ذكر في هذه السورة كما يعلم بالتأمل فيه.
وبعث رسولًا إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة، قال السدي وعكرمة رضي الله تعالى عنهما: ما بعث الله تعالى نبيًا مرتين إلا شعيبًا مرة إلى مدين فأخذهم الله تعالى بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة.